صديق الحسيني القنوجي البخاري

21

فتح البيان في مقاصد القرآن

لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدبر أمر الناس ، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير قط . فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ أي بالعدل الذي هو حكم اللّه بين عباده لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات ، وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه ؛ والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم . وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي هوى النفس في الحكم بين العباد وفيه تنبيه لداود عليه السّلام أن الذي عوتب عليه ليس بعدل ، وان فيه شائبة من اتباع هوى النفس . فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب على أنه جواب النهي ، والفاعل هو الهوى ، ويجوز أن يكون الفعل مجزوما بالعطف على النهي ، وإنما حرك لالتقاء الساكنين ، فعلى الوجه الأول يكون المنهي عنه الجمع بينهما وعلى الثاني يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة ، وسبيل اللّه هو طريق الجنة أو دلائله التي نصبها على الحق تشريعا وتكوينا . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ تعليل للنهي عن اتباع الهوى ، والوقوع في الضلال بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ الباء للسببية ، ومعنى النسيان الترك ، قال الزجاج : أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين ، وإن كانوا ينظرون ويذكرون ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا . وقال عكرمة والسدي : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير ، ولهم عذاب يوم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل والأول أولى . وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من أمر البعث والحساب أي ما خلقنا هذه الأشياء خلقا باطلا خارجا عن الحكمة الباهرة ، بل خلقناها للدلالة على قدرتنا . فانتصاب باطلا على المصدرية أو على الحالة أو على أنه مفعول لأجله ، والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى المنفي قبله وهو مبتدأ وخبره : ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مظنونهم فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض ويقولون : إنه لا قيامة ولا بعث ولا حساب ، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلا . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ الفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم ، كما أن وضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بعلية للصلة ، لاستحقاقهم الويل ، ثم وبخهم وبكتهم فقال : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 28 إلى 33 ] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 )